العواطف

أثر العنف والإساءة اللفظية على الطفل

” في السنة الخامسة وأثناء دراستي القسمة المطولة، لم أكن أفهمها بسهولة، لذلك قال المعلم لي أنني فاشلة، وأنني لن أتمكن من تعلم الرياضيات أبدًا، لقد حُفِرت كلماته في وجداني طويلًا، وصار عقلي يرددها بلا وعي، للدرجة التي جعلتني في الثانوية العامة أفضل التخصص الأدبي وأبتعد عن دراسة التخصص العلمي، وحتى الآن أتجنب الرياضيات”

قالت ذلك إحدى الصديقات حينما كنا نتناقش بشأن الإساءة اللفظية التي توجه للأطفال، فالكلمة التي لا نراها سوى كلمة مكونة من مقاطع صوتية، وأحرف ليست هي كلمة، بل طلقة رصاص قد تتجه لثقة الطفل بنفسه مما تجعله غير قادرًا على المُضي قُدمًا في حياته، بل إنها في بعض الأحيان تصبح صوته الداخلي الذي لا يُمحى.

الإساءة اللفظية كجريمة

قد تظن أنه طالما كان الطفل طفلك فمن حقك أن تسيء إليه خاصة وإن كان العذر (دعوني فأنا أربي ولدي) ولكن هل الإساءة هي الطريقة الجيدة للتربية؟ بالطبع لا، ولننظر إليها من ناحية أخرى وقبل أن تسيء له اسأل نفسك سؤالًا واحدًا فقط، ما الذي سيحدث إذا كانت تلك الإساءة لأخ أو لمديرك في العمل، أو حتى زوجتك؟ ألن يكون هناك رد، أليست إساءة؟ بالطبع هي اساءة وحينما توجه للكبير تعتبر في بعض الأحيان جريمة يعاقب عليها القانون، فلماذا تسيء إلى طفلك؟


إذا كنت من الناس الذين تلقوا تربية سيئة فمن الطبيعي أن ترى تلك هي الطريقة الوحيدة للتربية، كما أنك محمل بالكثير من المشاعر السلبية، فمن الطبيعي أن تغلبك تلك النزعة يقول دكتور (عماد رشاد عثمان) في كتابه أبي الذي أكره

الآباء الغاضبون ليسوا سوى أطفالٍ غاضبين يتنمرون على الأطفال الأصغر سنًا الذين صودف أنهم أبنائهم

ولكن ذلك ليس الحل، فيجب أن ترجع لنفسك وتحاول الوصول إلى حل تلك المشكلة لا أن تُحمل الاطفال بما لا يستطيعون تحمُلِه.
ومن الواجب أن تعلم أن تصرفات الأطفال المزعجة تعد أمراً طبيعيًا ومتوقعًا، ومن ثم فإن مثل هذه التصرفات ليست مبررًا كى تسيئ لأطفالك، بل إن الواجب عليك فى هذا الحال أن تحتوي الموقف وتتعامل برفق ولين حكمة وحُب، وتتحكم في أعصابك، ودائمًا تذكر قبل أن تُخرج سهمًا طائشًا من فمك أنه قد يودي بحياة طفلك.

ما الذي تفعله بنا الإساءة

“الإساءة تقوم بتجميد النمو في مراحله النفسية الأولى، وتحرم الناشئ من تكوين جعبة أدواته لمواجهة العالم، لذا يخرج شاعرًا بالتهديد. وهو تهديد أكثر من ذلك التهديد الذي شعر به يوم أن جاء للعالم وعلم أن عليه مواجهة الوجود، فقد آوى إلى بيئة تمنحه احتضانًا مؤقتًا لحين نمو أدواته، فلم يجد لديها سوى مزيد من التهديد والاغتراب” من كتاب أبي الذي أكره.


فبينما تظن أن الكلمة تمر بسهولة وتمضي أقول لك إن الكلمة تفعل أكثر من ذلك بكثير، ربما أنت ما زلت تذكر والديك حينما أهملوا درجاتك التسع ونظروا للنصف درجة الناقصة وهم يقولون لك (لماذا ضاعت الدرجة العاشرة) وربما ما زلت تذكر دعوة الأم بالهلاك لك حينما فعلت شيء خاطئ، الإساءة لا تنسى بل تبقى عالقة في الذاكرة بمرارتها كجرح لم يندمل، يؤلمنا إذا قمنا بمسه،

وفقًا للدراسات فإن الإنسان يحتفظ بالإساءات لفترة أطول من احتفاظه بالثناء، وأن الإنسان يستجيب أكثر للنقد من المديح. هناك دراسة أُجريت على حوالي 2000 بالغ في الستينيات من العمر وجدت أنه عندما يتعلق الأمر برواية قصص حياتهم ، فإنهم يتذكرون الأحداث المؤلمة بشكل مختلف تمامًا – حتى عندما كانت هناك فترة زمنية طويلة منذ وقوعها – باستثناء صدمة الطفولة، أو الإساءات التي تعرضوا لها.

وهناك دراسة أيضًا خَلُصت إلى أن دوائر الألم الجسدي والعاطفي واحدة . كما أظهرت تجربة أجرتها (Naomi L. Eisenberger) أن الرفض الاجتماعي يُنَشِط نفس الدوائر العصبية مثل الألم الجسدي. مما يعني أنه يترك أثرًا موجعًا لا يُمحى بسهولة، ولا ينساه طفلك.

فالإساءة تفعل ما يلي:

1- تخلق فردًا ضعيف الشخصية، أو فردًا عنيف لا يرى سوى الإساءة كرد فعل لأخذ حقه.

2- تخلق فردًا ذو نفسية هشة لا يمكنه التعامل مع الأمور بسواء.

3- تزرع الجفوة والكراهية بينك وبين أبنائك وتجعلك تفقد قيمتك كأب لديهم.

4- تتسبب بإصابة الطفل بإضرابات وأمراض نفسية حيث أن الإساءة والعنف اللفظى لهما نفس التأثير الخطير الناتج عن الإساءة والعنف الجسدي.

إقرأى أيضًا

كيف اجعل ابني اجتماعي – طرق بسيطة لإنخراط الطفل فى المجتمع

ما هو فرط الحركة وتشتت الانتباه؟ علاج فرط الحركة وتشتت الانتباه عند الاطفال

ابني عنيد ولا يسمع كلامى – ازاى اخلى ولادى يسمعوا كلامى؟

أنواع الإساءة اللفظية للطفل

(السب)

سب الطفل هو أول أنواع الإساءة سواء كانت المسبة بتشبيهه بالحيوان مثل (كلب) أو بنعته بصفة سيئة مثل (يا غبي) (يا فاشل) والأخيرتين هما أصعب أنواع المسبة على الإطلاق لأنهما صفتان تحفران عنه صورة مشوهة، فحينما يسب الأبوين وهما مصدر الفخر بالابن الطفل بتلك الكلمات، ستصل لعقله رسالة خاطئة، مفادها أن أبي وأمي يرونني فاشل، أبي وأمي يعرفان كل شيء، إذن فأنا فاشل بالفعل.

(المقارنة)

أسواء الإساءات اللفظية التي قد تخرج منك نحو ولدك هي مقارنته بغيره (فلان أذكى منك)، (فلان أفضل منك)، (فلان مؤدب عنك) فهي لا تطيح بثقته بنفسه وحسب، بل تجعل منه إنسانًا حاسدًا وغيورًا، يكره الأخرين لأنهم أفضل منه، لأنهم نالوا استحسان والده، ولأنه يراهم أفضل منهم، فيكبر الطفل، وهو حاقدًا لا يهنأ له عيش ولا يرتاح له بال.

(الدعاء عليه)

من المصائب الحقيقة، والجرائم التي ترتكب باسم الأطفال هو الدعاء عليه بالهلاك، ففضلًا عن الدعاء واستجابته لنقف قليلًا على نفسية الطفل التي تحترق من الداخل حينما يستمع لما يقوله الوالدين، فالرسالة الوحيدة التي تصله من الدعاء ليست أكثر من جملة (والدي لا يحبونني، والدي يرفضونني) فلو أنك تحبه لما تمنيت هلاكه، وعلى الرغم من أننا نعرف أن بعض الآباء والأمهات وبالأكثر الأمهات يرددون ذلك لغضبهم من الطفل، إلا أن ذلك ليس مبررًا والطفل لا يمتلك ذلك العقل الذي يفرق بين الأشياء بدقة، وينظر إلى ما وراء المعاني، فلا يفهم سوى ما يقال له فقط.

(التهديد)

من الإساءات اللفظية التي قد تؤرق الأطفال أيضًا، التهديد وهو أن لا تفعل شيء فقط تقول (سأقطع رأسك، سأقتلك، سأعاقبك) وهو مما يبثُ في نفس الطفل رهبة، وخوف عظيم، فتخلق منه طفلًا خائفًا، يظن ان كل يد ترفع ستنزل على رأسه، مترقبًا لعقابك، خائفًا منه، أنت تخلق طفل، فاقد للأمان.

(السخرية منه)

حينما يفتح فمه يجدك تهينه، أو تصفه بأنه لا يفهم شيء ولا يعرف شيء، أو تسخر من أرائه وتُسفه منها، بدعوى أنه طفل لا يفهم شيء، بتلك الطريقة أبشرك سيكبر لا يمكنه أن يدير حوار مع أحد، يظن أن الجميع سيقللون منه إذا فتح فمه، أو أنك ستخلق منه ثرثارًا كبيرًا لن يتمكن من التوقف عن الكلام، لن يضع الكلام في ميزان صائب، يريد فقط التكلم وتعويض الحرمان الذي تعرض له، قالت الصديقة ( كل كلمة منعني أبي من أن أقولها يجيء الوقت لأقتص وأقولها، فأنا لا أشبع من الكلام) فالكلمات رغبة وطاقة وشيء يريد أن يندفع خارجًا فإذا تم كبحه، واجهتنا المتاعب الكثيرة.

قد يقول القاريء، إذًا كيف أتعامل مع ولدي؟
في هذا الشأن أقول لك أن التعود هو سيد الأخلاق، كما أنك أنت القدوة التي يتعلم منها الطفل، فأولًا يجب عليك أن تراجع سلوكياتك أمامه، وترى ان كنت ترتكب تلك الأخطاء التي تغضب منه من أجلها، كذلك الحوار بينك وبين الطفل من الأمور التي تجعلك فى غنًى عن عقاب الطفل، فإذا نشأ الطفل معتاد النظام لن تحتاج لمعاقبته، وتذكر أن الطفل أمانة يجب أن تراعيها.

فإذا أردنا أن نربي طفلًا سويًا، يجب علينا حينها أن نبتعد عن كل أنواع العنف والإساءة بما فيها العنف والإساءة اللفظية.

المراجع

https://www.psychologytoday.com/intl/blog/tech-support/201611/the-enduring-pain-childhood-verbal-abuse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق